محمد إقبال: شاعر الفلسفة وروح الشرق محمد إقبال، شاعرٌ ومفكرٌ وفيلسوف، استطاع أن يصنع من جفاف الفلسفة نبعًا شعريًا رقراقًا، ومن الشعر وسيلة لإيقاظ الأمة، لا مجرد أداة للزينة. وُلد في مدينة سيالكوت بإقليم البنجاب عام 1873، من أسرة كشميرية تعود جذورها إلى البراهمة، لكنه بعقله وقلبه رحل أبعد من حدود الأرض. منذ صغري، سحرني شعره الفارسي تحديدًا؛ لغته المفعمة بالرموز، وقوة معانيه الروحية. قرأت له ديوان “الفحم والألماس”، ثم شدّني أكثر “پيام مشرق” (رسالة المشرق)، فشعرت أنني أمام شاعر لا يكتب للعاطفة، بل للروح. ومن أبياته التي علقت في ذاكرتي، هذا المقطع: ز خود بگذشتن است آغاز عشق به دل بر بستن از اغيار، ساز عشق فروغ ديده از شوق است، نه از اشك فغان مرغ شب از راز است، نه از ناز هذا النص ليس مجرد أبيات شعرية؛ بل خلاصة فلسفة إقبال في العشق: “بداية العشق أن تفنى عن الأنا” في رأيه، لا يمكن أن يبدأ الحب الإلهي إلا حين يتجاوز الإنسان ذاته، ويتحرر من أنانيته، فالفناء عن النفس شرطٌ للوصول إلى المعنى الأعلى. “وأن تُغلق القلب عن كلّ سواك، فهو لحنُ الحب” لا يُعزف لحن العشق في قلبٍ مزدحم. لا بد من إخلائه من التعلقات، من “الأغيار”، حتى يصبح مؤهلًا لاستقبال النور. “ونور العين من الشوق، لا من الدمع” ليس البكاء مقياسًا للحب، بل الشوق الداخلي العميق الذي يضيء البصيرة ويحرّك الروح. “وأنين طائر الليل من السرّ، لا من الدلال” العاشق، في تشبيهه، كطائرٍ ينوح في الليل لا لأجل الدلال، بل لأنه يحمل في قلبه سرًا، رسالةً لا تُقال، بل تُعاش. إقبال شاعرٌ لم يُنصفه الإعلام كما يستحق؛ ربما لأن شعره لا يُستساغ بسرعة، ولا يُستهلك بسهولة. فهو لا يغازل العاطفة بسطحية، بل يخاطب عمق الإنسان، ويأخذه من التراب إلى المطلق. ورغم اختلاف عقيدته الصوفية، لا يمكن إنكار ما قدّمه للعالم الإسلامي من فكرٍ يوقظ العقل، ويحرّك القلب نحو الأعالي. #شخصيات