توفيت أجاثا كريستي عام 1976، وبعد خمسين عاماً بالضبط، رواياتها لا تزال تُطبع، تُترجم، وتُقرأ بشغف في كل مكتبة عربية تقريباً. ما الذي يجعل كاتبة بريطانية من القرن الماضي أكثر حضوراً من كثير من كتّاب اليوم؟
الجواب يبدأ من البنية نفسها. أجاثا كريستي لم تكتب جرائم فقط — بنت ألغازاً محكمة، كل تفصيلة فيها ضرورية، وكل شخصية مشتبه بها فعلاً حتى الصفحة الأخيرة. هذا النوع من الإحكام يعبر اللغة والثقافة بسهولة: لغز جيد البناء يبقى لغزاً جيد البناء بأي لغة تُرجم إليها.
لكن هناك سبباً أعمق يخص القارئ العربي تحديداً: عوالم أجاثا كريستي مغلقة ومحكمة — قرية إنجليزية صغيرة، قطار عابر، منزل ريفي معزول — وهذا النوع من "المسرح المغلق" قريب جداً من تقاليد سردية عربية طويلة تحتفي بالحكاية المحبوكة داخل فضاء محدود. القارئ لا يحتاج خلفية ثقافية معقّدة ليتماهى مع اللغز؛ يحتاج فقط عقلاً يحب أن يُختبر.
وربما الأهم: أجاثا كريستي لا تشيخ. القارئ الجديد يكتشفها اليوم بنفس الدهشة التي اكتشفها بها قارئ قبل خمسين عاماً — وهذا، في الأدب، أندر إنجاز من أي جائزة.